في المشهد السوري الراهن، تتجلى ملامح معركة مؤجلة، تتأرجح بين قرارات الحكومة، ضغوط القوى الدولية، وتعقيدات الواقع الميداني. في حلقة الدكتور عثمان الصالح سيكشف بوضوح عن طبيعة هذه المرحلة، حيث لا يُختزل الأمر في إعلان مهلة أو تمديدها، بل في شبكة متداخلة من الحسابات السياسية والعسكرية والإنسانية.
أولًا: المهلة وتمديدها
إعلان الحكومة السورية تمديد المهلة خمسة عشر يومًا إضافيًا لم يكن مجرد قرار إداري، بل انعكاس لحسابات معقدة. فالتمديد لا يعني بالضرورة أن الحرب ستبدأ فور انتهائه، كما أن بدء الحرب لا يعني أنها ستنتهي سريعًا. هذا التوضيح يضع حدًا للتصورات الساذجة التي تربط بين انتهاء المهلة واندلاع المعركة مباشرة، أو بين اندلاعها وحسمها في أيام معدودة.
ثانيًا: الدور الدولي والإقليمي
النص يضع الولايات المتحدة وتركيا في موقع الفاعلين الأساسيين في رسم خرائط المنطقة وتحديد مسار الأحداث. تصريح وزير الخارجية التركي بضرورة التمديد أو وقف إطلاق النار كان إشارة واضحة إلى أن القرار السوري لا ينفصل عن إرادة القوى الكبرى. أما الولايات المتحدة، فقد أعلنت نيتها نقل سبعة آلاف عنصر من تنظيم داعش إلى العراق، لكنها لم تُسلّم سوى 115 خلال أسبوع واحد، ما يكشف عن مماطلة متعمدة واستخدام هذا الملف كورقة تفاوضية.
ثالثًا: طبيعة المعركة المتوقعة
المعركة المقبلة ليست قصيرة الأمد، بل يُتوقع أن تمتد لأشهر، خاصة في مناطق القامشلي، الحسكة، وعين العرب. الميليشيات هناك ليست مجموعات عابرة، بل قوى متحصنة منذ عقد كامل، حفرت الأنفاق، خزّنت المؤن، وأعدّت خطوط اتصال حتى داخل العراق. هذا التحصين يجعل المواجهة طويلة ومعقدة، ويؤكد أن الحرب ليست استنزافًا للجيوش، بل إن الميليشيات هي التي تستنزف الدول.
رابعًا: الممرات الإنسانية والمدنيون
الحكومة تتحدث عن فتح ممرات إنسانية لإخراج المدنيين، لكن خمسة عشر يومًا لا تكفي لإجلاء أعداد كبيرة في ظروف الشتاء القاسية. المدنيون يظلون في قلب المعادلة، بين خطر القتل وبين محاولات الحكومة تقليل الخسائر. عثمان الصالح يصرّح بأن المدنيين سيتعرضون للخطر، لكنه يضع ذلك في إطار “الأثمان الحقيقية” التي لا يمكن تجنبها في سياق الحرب.
خامسًا: العشائر العربية
رسالة واضحة تُوجَّه للعشائر: لن يُسمح بقيام “دولة داخل الدولة”. وزارة الدفاع هي الجهة الوحيدة المخولة بتنظيم العمل العسكري، وأي ارتجال فردي أو استجابة لدعوات غير منظمة عبر وسائل التواصل سيُعتبر تهديدًا للأمن العام. النص يحمّل المسؤولية لمن يغامر خارج إطار الدولة، ويؤكد أن دماء أبناء العشائر غالية ويجب حمايتهم من الاستغلال.
خاتمة: الرؤية العامة
المشهد السوري يتسم بانتظار مشوب بالقلق. الحرب قادمة، لكنها طويلة ومعقدة، والأثمان السياسية والعسكرية والمدنية لا بد من دفعها.
د. عثمان الصالح يؤكد أن الصبر الحالي ليس ضعفًا، بل صبر وحكمة، وأن القرار النهائي بيد وزارة الدفاع والحكومة، مع تأثير مباشر للقوى الدولية.
إنها لحظة مفصلية، حيث تتقاطع الحسابات الداخلية مع الضغوط الخارجية، وحيث يصبح كل قرار امتدادًا لمعركة أكبر من حدود الجغرافيا السورية.
تحرير وتدقيق: أ. غفران خواتمي




