أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، خلال افتتاح الإجتماع الحادي والأربعين للجنة الدائمة للتعاون الاقتصادي والتجاري التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي “الكومسيك” في إسطنبول، عن إطلاق برنامج دعم خاص لسوريا يهدف إلى تعزيز التنمية الإقتصادية في البلاد، في خطوة اعتبرها مراقبون تحولاً مهماً في الموقف التركي والإقليمي تجاه دمشق.
وأكد أردوغان أن العقوبات التي تعيق التنمية الإقتصادية في بلادنا بدأت تُرفع تدريجياً بفضل الجهود التركية ومساهماتها داخل الأطر الدولية والإسلامية، مشيراً إلى أن ازدهار ورفاهية الشعب السوري والحفاظ على وحدة أراضيه يمثلان أولوية قصوى لأنقرة.
نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة
إن إعلان تركيا عن برنامج دعم خاص لسوريا تحت مظلة “الكومسيك” يمثل نقطة إنطلاق نحو مرحلة جديدة من الإنفتاح الإقليمي والتعاون الإسلامي.
فمن جهة، يفتح الباب أمام رفع تدريجي للعقوبات وتفعيل مسار إعادة الإعمار، ومن جهة أخرى يعزز دور أنقرة كوسيط رئيسي في إعادة التوازن السياسي والإقتصادي في الشرق الأوسط.
وبين البعد الإنساني والإقتصادي والسياسي، يبدو أن تركيا تمضي بخطوات مدروسة نحو صياغة واقع جديد في المنطقة عنوانه: الإستقرار عبر التنمية.
تحول سياسي بارز
يمثل الإعلان التركي تحولاً سياسياً بارزاً بعد سنوات من القطيعة بين أنقرة ودمشق، خاصة مع إشارة أردوغان إلى أن سوريا بقيادة الرئيس أحمد الشرع أحرزت تقدماً ملحوظاً نحو السلام والتنمية خلال الأشهر الماضية، ما يوحي بمرحلة جديدة من الإعتراف والتعامل الواقعي مع الحكومة السورية.
وتأتي هذه الخطوة في سياق تنسيق تركي أوروبي جديد، حيث أجرى أردوغان مباحثات في أنقرة مع المستشار الألماني فريدريش ميرز ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، أبدى خلالها الطرفان تأييدهما لجهود تركيا في دعم الإستقرار الدائم في سوريا، والتأكيد على منع أي محاولات لزعزعة أمنها الداخلي.
أبعاد إقتصادية وتنموية
يُتوقع أن يشمل البرنامج التركي دعماً للقطاعات الحيوية في بلادنا، وعلى رأسها الزراعة، والبنية التحتية، والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، عبر مظلة منظمة التعاون الإسلامي التي تتيح تمويلاً شرعياً وتعاوناً تجارياً بين الدول الأعضاء.
ويُعد ذلك بمثابة كسر تدريجي للعزلة الإقتصادية المفروضة على دمشق، وفتح الباب أمام الدول الإسلامية والعربية للمساهمة في إعادة إعمار سوريا ضمن إطار قانوني ومنسق.
انعكاسات إقليمية واسعة
من الناحية الإقليمية، تسعى أنقرة من خلال هذه المبادرة إلى إعادة بناء الثقة والتنسيق مع الحكومة السورية بما يضمن استقرار حدودها الجنوبية وعودة تدريجية للاجئين السوريين إلى بلادهم.
كما تهدف تركيا إلى تعزيز مكانتها القيادية في العالم الإسلامي عبر استخدام “الكومسيك” كأداة للتعاون الإقتصادي والسياسي، وإظهار قدرتها على قيادة مبادرات سلام وتنمية مستقلة تخدم مصالح المنطقة.
دلالة إنسانية وسياسية
يحمل خطاب أردوغان الأخير نغمة مختلفة عن الخطاب السابق تجاه الأزمة السورية، حيث انتقل من لغة الصراع إلى لغة التنمية والسلام، مؤكداً أن استقرار سوريا هو استقرار للمنطقة بأكملها.
ويُظهر هذا التحول رؤية براغماتية تركية جديدة تربط بين الأمن القومي التركي والتنمية الإقتصادية الإقليمية.
