انطلاقًا من القراءة الميدانية التي قدّمها الدكتور عثمان الصالح، تتبدّى معركة الدولة السورية مع ميليشيات قسد التابعة لـ حزب العمال الكردستاني كصراعٍ معقّد لا يحتمل الاختزال ولا يُحسم بالعجلة. فخلافًا لما يُروَّج عن مهلٍ قصيرة ونهايات سريعة، يؤكد الصالح أن الوقائع على الأرض تشير إلى مسار أطول، تحكمه اعتبارات عسكرية وأمنية وإنسانية متشابكة.
بحسب الصالح، فإن الحديث عن تنفيذٍ وشيك للاتفاقات يصطدم بواقعٍ ميداني قاسٍ: مناطق مركزية مثل عين العرب (كوباني) والحسكة والقامشلي تحوّلت إلى عقدٍ محصّنة، بُنيت فيها شبكات أنفاق، وخُزّنت فيها أسلحة وذخائر ومؤن تكفي لأشهر، وتوجد فيها تشكيلات من مقاتلين أجانب وفلول متخفية. الأخطر من ذلك—كما يحذّر—وجود مدنيين وأبرياء اتُّخذوا رهائن، ما يرفع كلفة أي اقتحام غير مدروس ويجعل “الحسم الخاطف” وصفةً لخسائر جسيمة.
ويشدّد الصالح على البعد الرمزي لبعض هذه الجغرافيا، التي اعتُبرت لسنوات “عاصمة” لمشروع قسد، بما يمنحها حاضنة موضعية—ولو محدودة—تُصعّب كسرها بسرعة. في المقابل، يلفت إلى أن هذا العمق لا يتوافر على امتداد واسع، وأن تضييق الخناق الإقليمي—خصوصًا عبر إغلاق منافذ الإمداد من الحدود العراقية ضمن تفاهمات إقليمية—قد يُحدث تحوّلًا مهمًا في ميزان الضغط، دون أن يعني ذلك نهاية قريبة.
ومن زاوية إدارة الصراع، يحذّر الصالح من الانجرار خلف الشائعات أو الاندفاع العاطفي، ويدعو إلى مقاربة مؤسسية تقودها وزارة الدفاع بكل أدواتها: الاستخبارات، واللوجستيات، والنار الدقيقة، والتحالفات. فالمعركة—كما يراها—عسكرية بامتياز، لا ساحة للمزايدات ولا لتجارب غير محسوبة قد تُزهق أرواح الشباب دون جدوى. وهو يُثني على دور العشائر ودافعيتها، لكنه يؤكد أن الزجّ غير المنظّم بها خارج التخطيط العسكري المحترف قد يفاقم الخسائر بدل أن يختصر الطريق.
في الخلاصة، يقدّم الصالح تقديرًا واقعيًا يوازن بين التمنّي والوقائع: نعم، هناك إنجازات وتقدّم، لكن الطريق ليس قصيرًا، والحسم—إن أتى—سيكون مسارًا تراكميًا لا لحظةً إعلامية. الرهان، إذًا، على الصبر، والتخطيط، وحماية المدنيين، وصون دماء المقاتلين، وتفكيك الخصم خطوةً خطوة، لا على وعود الأيام القليلة.
الصحفي عامر هويدي
