احتضان مدينة بخارى الأوزبكية ،لأعمال منتدى الأعمال السوري–الأوزبكي، بمشاركة واسعة من رجال الأعمال وممثلي الشركات والمؤسسات الإقتصادية، وذلك بالتزامن مع زيارة الوفد الإقتصادي السوري إلى أوزبكستان، يحمل أهمية كبيرة ودلالات عظيمة.
في ظل سعيها إلى إعادة تنشيط إقتصادها واستعادة عافيتها الإنتاجية، تبرز تجربة أوزبكستان بوصفها نموذجاً يستحق الدراسة من قبل سوريا، لا سيما أن طشقند نجحت خلال السنوات الماضية في تنفيذ إصلاحات اقتصادية تدريجية عززت الانفتاح التجاري، ورفعت معدلات النمو، وجذبت استثمارات أجنبية متنوعة، مع الحفاظ على استقرار داخلي نسبي.
إن التعاون السوري–الأوزبكي لا يقتصر على تبادل تجاري عابر، بل يمكن أن يشكّل مساحة لتبادل الخبرات وبناء شراكات قائمة على المصالح المتبادلة والتكامل القطاعي.
أولاً: الإصلاح الاقتصادي التدريجي كنموذج قابل للاستفادة
اعتمدت أوزبكستان نهجاً إصلاحياً متدرجاً ركّز على تحرير الأسواق بشكل مدروس، وتسهيل بيئة الأعمال، وتحسين الإطار التشريعي للاستثمار. هذا النموذج قد يكون مناسباً لسوريا التي تحتاج إلى مقاربة واقعية ومتوازنة تعيد تنشيط القطاع الخاص دون صدمات اقتصادية حادة.
فالاستفادة هنا لا تعني نسخ التجربة حرفياً، بل دراسة آلياتها، خصوصاً في ما يتعلق بتحفيز المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتطوير المناطق الصناعية.
ثانياً: تطوير القطاع الزراعي والصناعات المرتبطة به
تملك أوزبكستان خبرة واسعة في تحديث القطاع الزراعي وتحويله إلى رافعة للتصدير، خاصة في مجالات القطن، والصناعات الغذائية، وسلاسل القيمة المضافة. ويمكن لسوريا، التي تمتلك قاعدة زراعية تاريخية، أن تستفيد من هذه الخبرة في إعادة تأهيل أراضيها الزراعية، وتطوير تقنيات الري، وتحسين الصناعات التحويلية المرتبطة بالإنتاج الزراعي.
هذا التعاون قد يفتح الباب أمام مشاريع مشتركة في التصنيع الغذائي، وتبادل البذور والخبرات التقنية، بما يعزز الأمن الغذائي في البلدين.
ثالثاً: المناطق الصناعية والاستثمار الأجنبي
نجحت أوزبكستان في إنشاء مناطق صناعية خاصة جذبت استثمارات خارجية من آسيا وأوروبا، مستفيدة من موقعها الجغرافي كبوابة إلى أسواق آسيا الوسطى. ويمكن لسوريا، بحكم موقعها الاستراتيجي بين آسيا وأوروبا، أن تطور نموذجاً مشابهاً يربط بين الموانئ والمناطق الصناعية، ويحولها إلى مركز لوجستي إقليمي مستقبلاً.
ومن شأن تبادل الخبرات في إدارة المناطق الحرة، والحوافز الضريبية، وآليات الشراكة بين القطاعين العام والخاص، أن يمنح دمشق أدوات عملية لتحديث بنيتها الاقتصادية.
رابعاً: التنويع الاقتصادي وتقليل الاعتماد على قطاع واحد
من أبرز ما يميز التجربة الأوزبكية سعيها إلى تنويع الاقتصاد، وعدم الاعتماد على قطاع واحد كمصدر رئيسي للدخل. هذا الدرس مهم لسوريا في مرحلة إعادة الإعمار، حيث ينبغي توسيع قاعدة الإنتاج لتشمل الصناعة الخفيفة، والطاقة المتجددة، والخدمات اللوجستية، وتكنولوجيا المعلومات.
التعاون الثنائي قد يساهم في نقل المعرفة في مجالات التحول الرقمي، وتطوير الخدمات المصرفية، وتعزيز التجارة الإلكترونية، وهي قطاعات باتت تشكل عصب الاقتصاد الحديث.
لماذا هذا التعاون مهم للبلدين؟
بالنسبة لسوريا، يمثل التعاون مع أوزبكستان فرصة للانفتاح على فضاء اقتصادي جديد في آسيا الوسطى، وتنويع شركائها التجاريين بعيداً عن الاعتماد التقليدي على أسواق محددة. كما يتيح لها الاستفادة من تجربة إصلاحية قريبة زمنياً ومرتبطة بواقع اقتصادي انتقالي.
أما أوزبكستان، فإن تعزيز التعاون مع سوريا يمنحها منفذاً أوسع نحو الأسواق العربية، ويعزز حضورها الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط، ويفتح مجالات استثمارية جديدة في قطاعات الزراعة والطاقة والنقل.
ما الذي يميز الشراكة السورية–الأوزبكية؟
ما يميز هذا التعاون أنه يقوم على تكامل نسبي في الموارد والخبرات:
سوريا تملك موقعاً جغرافياً استراتيجياً وخبرة صناعية وزراعية تاريخية.
أوزبكستان تمتلك تجربة حديثة في الإصلاح الاقتصادي وجذب الاستثمارات.
هذا التكامل يخلق أرضية مشتركة لشراكات قائمة على تبادل المنافع لا على المنافسة، ويمنح العلاقة بعداً عملياً بعيداً عن الطابع البروتوكولي.
بإختصار إن دراسة التجربة الأوزبكية تمثل فرصة لسوريا لاستلهام نموذج إصلاحي تدريجي يعيد بناء الاقتصاد على أسس أكثر تنوعاً ومرونة. والتعاون بين البلدين لا ينبغي أن يُنظر إليه كمجرد تقارب دبلوماسي، بل كاستثمار استراتيجي في تبادل الخبرات وفتح أسواق جديدة.
وفي عالم يشهد تحولات اقتصادية متسارعة، قد يشكل هذا النوع من الشراكات الإقليمية جسراً ضرورياً نحو الاستقرار والنمو المستدام، بما يخدم مصالح الشعبين ويعزز مكانة البلدين في محيطهما الإقليمي.




