اتفاق الضباب في شرق سوريا بين الضغوط الدولية والواقع المحلي

شهدت الساحة السورية في الأيام الأخيرة جدلاً واسعاً حول زيارة قائد “قسد” مظلوم عبدي إلى دمشق، وما رافقها من تسريبات متناقضة حول طبيعة اللقاءات والاتفاقات المحتملة. بينما تحدثت بعض المصادر عن حضور أطراف دولية وإقليمية، أكدت أخرى أن ما جرى لا يتجاوز إطار تفاهمات شكلية لا تحمل مضموناً عملياً.

1. مأزق الأطراف

الدولة السورية تواجه ضغوطاً مزدوجة: من جهة مطالبة أمريكية بدمج “قسد” ضمن ترتيبات أمنية، ومن جهة أخرى رفض تركي لأي صيغة تمنح هذه القوات شرعية أو خصوصية.

قسد نفسها في مأزق، فهي لا تملك القدرة على فرض مشروع انفصالي، وفي الوقت ذاته تسعى إلى الحفاظ على مكاسبها عبر المناورة الإعلامية والتسريبات.

2. طبيعة الاتفاق

ما يُسمى بـ “توقيع الشجعان” لم يكن سوى اتفاق شكلي، أقرب إلى إعلان نوايا يرضي القوى الدولية أكثر مما يلبي طموحات السوريين.

الاتفاق لم يمنح الدولة سيطرة كاملة على شرق الفرات.

لم يمنح الأكراد خصوصية سياسية أو إدارية حقيقية.

النتيجة: لا مركزية منقوصة، وسيادة منقوصة، تعكس حالة ضبابية أكثر من كونها حلاً نهائياً.

3. دلالات المشهد

القرار ليس سورياً بالكامل: ما جرى يعكس أن القوى الدولية ما زالت تتحكم بمسار الملف الشرقي، وأن الأطراف المحلية تتحرك ضمن هوامش ضيقة.

النتيجة العملية محدودة: لا الدولة تمكنت من فرض إرادة الشعب السوري كاملة، ولا “قسد” استطاعت فرض مشروعها، بل بقيت الأمور في إطار تسويات مؤقتة.

الخسارة الزمنية: عام كامل من المفاوضات والتسريبات لم يحقق تقدماً ملموساً، بل أضاع وقتاً ثميناً كان يمكن استثماره في إعادة البناء وتثبيت الاستقرار.

4. الرسالة للدولة والمجتمع

إن ما جرى يؤكد أن:

المعركة الحقيقية ليست في التوقيعات الشكلية، بل في استعادة القرار الوطني المستقل.

الاتفاقات الضبابية لا تصنع حلولاً، بل تؤجل الأزمات وتعمّق الانقسام.

الشعب السوري يبقى الطرف الأكثر تضرراً من هذه المساومات، إذ لا يرى انعكاساً مباشراً على حياته اليومية أو على وحدة البلاد.

خاتمة

ما حدث في دمشق ليس انتصاراً لأي طرف، بل هو تسوية مؤقتة فرضتها الضغوط الدولية، وأنتجت اتفاقاً شكلياً لا يلبي طموحات السوريين ولا يعكس سيادة كاملة للدولة. الحقيقة أن سوريا بحاجة إلى قرار وطني مستقل يضع حداً لمناورات “قسد” وضغوط الخارج، ويعيد رسم مستقبل البلاد بعيداً عن الاتفاقات الضبابية.

تحرير وتدقيق: أ. غفران خواتمي

شارك بنشر الوعي

كاتب المقال

المقالات ذات الصلة

Happy girl in light pink blouse showing unofficial Syrian flag and looking away with smile on protest

مقالات رأي

23 مارس 2026

أهمية التنوع الثقافي كمصدر قوة لسوريا

لا يكمن التحدي في وجود التنوع بحد ذاته، بل في كيفية إدارته. وعندما يُحسن إستثماره، يصبح هذا التنوع أحد أهم

جهينة مقداد

Charming hillside view of traditional houses in Şanlıurfa, Türkiye, capturing historical architecture.

مقالات رأي

18 مارس 2026

الجيل الجديد: قوة النهضة المستقبلية في سوريا

السوريون يمتلكون إرادة قوية، والشباب اليوم هو مفتاح تحويل الدمار إلى بناء، والفوضى إلى تنظيم، والتحديات إلى فرص. إذا تم

جهينة مقداد

A breathtaking view of the Umayyad Mosque's courtyard in Damascus, showcasing its iconic architecture and cultural significance.

مقالات رأي

12 مارس 2026

‏ النهضة السورية بيد أبنائها

‏تشهد الشعوب لحظات مفصلية تُعيد فيها اكتشاف ذاتها، وتستجمع قواها، وتنهض من جديد رغم كل ما مرّ بها من محن.

المكتب الاعلامي

Close-up view of Middle East map highlighting countries and borders.

مقالات رأي

12 مارس 2026

موقع سوريا الإستراتيجي في التحولات الإقليمية

الشرق الأوسط على مفترق طرق جديد. التغيرات السياسية والعسكرية والإقتصادية تجعل من سوريا لاعباً محورياً، ليس فقط داخل حدودها، بل

جهينة مقداد

A young girl in Idlib, Syria, holds a flag during a protest rally, highlighting social issues.

مقالات رأي

6 مارس 2026

نشيد الأمة

المكتب الاعلامي

A breathtaking view of the Umayyad Mosque's courtyard in Damascus, showcasing its iconic architecture and cultural significance.

مقالات رأي

1 مارس 2026

مهمة اللاجئين السوريين في هذه المرحلة

مهمة اللاجئين السوريين اليوم، ليست فقط الصمود بل التحضير الزكي للمستقبل

جهينة مقداد

Scroll to Top