هل غيّرنا نظام الأسد… قبل أن نغيّره؟
قراءة في الأخلاق والسلوك بعد الاستبداد
رغم دخولنا مرحلة جديدة من تاريخ سوريا، وما تحمله من آمال في إعادة البناء، يبقى التحدي الأكبر هو التغيير الداخلي في سلوكياتنا وقيمنا. فالتغيير السياسي وحده لا يكفي إذا بقيت أنماط التفكير والتصرف التي ترسخت عبر عقود حاضرة في حياتنا اليومية.
السؤال الجوهري اليوم: كيف نضمن أن يكون بناء الوطن الجديد مصحوبًا ببناء الإنسان من الداخل؟
إرث ثقيل من القهر والفساد
على مدى عقود، أعاد النظام السابق تشكيل المجتمع السوري بما يخدم بقاءه، مستخدمًا أدوات الفساد والمحسوبية والرشوة والانتهازية.
غذّى الطائفية، ورفع أبناء طائفته فوق القانون، وسمح لآخرين باستغلال هذا الواقع.
زرع الشك بين الناس، فجعل الأخ يكتب تقريرًا بأخيه، والجار يراقب جاره، ومنح عائلات المسؤولين والأمنيين حصانة غير مكتوبة تكفي لتجاوز القانون بلا محاسبة.
هذه السياسات لم تدمّر المؤسسات فحسب، بل أعادت صياغة القيم والسلوكيات اليومية، حتى صار كثيرون يمارسونها دون وعي.
صور من السلوكيات السلبية المنتشرة بالمجتمع
في أحد شوارع المدينة، توقفت سيارة إسعاف خلف صف طويل من السيارات المركونة عشوائيًا على جانبي الطريق. صافرة الإنذار تدوي، والوقت يمر، لكن أحدًا لا يتحرك. في الداخل مريض يصارع أنفاسه، وفي الخارج، لا أحد يشعر وكأن الأمر لا يعنيه.
رغم سقوط النظام، ما زالت آثار المنظومة السابقة حاضرة في الشارع، ومنها:
- التجاوزات المرورية والعشوائية في ركن المركبات، بما قد يودي بحياة بعض الأشخاص، خاصة عند إعاقة سيارات الإسعاف أو الإطفاء أو الشرطة أو غيرها من المركبات الطارئة.
- انعدام الأخلاقيات العامة لدى البعض، حتى على حساب كبار السن أو المرضى أو ذوي الاحتياجات الخاصة، كما في تجاوز الدور في الطوابير والخدمات.
- رفع الإيجارات بشكل جائر واستغلال حاجة المستأجرين، وعدم احترام العقود المبرمة.
- إلقاء القمامة في الأماكن العامة وعدم الاكتراث بالنظافة أو المظهر العام.
- استغلال الأزمات لرفع الأسعار أو احتكار السلع لتحقيق مكاسب شخصية.
- تصوير الحوادث بدل المساعدة، أو نشر الشائعات بدل التحقق.
- انتشار المخدرات والكبتاغون، وحتى مواد رخيصة وخطيرة مثل استنشاق الشعلة بين الأطفال.
- وغيره الكثير مما يطول ذكره، مما يعكس أن التغيير السياسي لم يواكبه بعد تغيير سلوكي وأخلاقي شامل بين افراد المجتمع.
نظرة علمية مبسطة
1. التعلم السلوكي
يرى علماء النفس مثل بافلوف وسكينر أن السلوك الإنساني يتشكل عبر التعزيز والعقاب. في ظل النظام السابق، كان الولاء والمحسوبية والفساد يُكافأ، بينما تُعاقب النزاهة والمبادرة الحرة. هذا النمط من “التعلم” جعل كثيرين يربطون النجاح بالتحايل على القانون أو استغلال النفوذ، وهي أنماط استمرت حتى بعد التغيير السياسي.
2. المجتمع المقهور (مصطفى حجازي)
القهر الطويل يولّد شخصيات إما مهزومة ومنسحبة، أو عدوانية تمارس القهر على من هم أضعف منها. في الحالة السورية، أنتج هذا القهر سلوكيات أنانية ومعادية للمصلحة العامة، حيث يعيد الأفراد إنتاج ما مورس عليهم من ظلم في تعاملهم مع الآخرين.
3. الصدمة الجمعية
الحروب والقمع الطويل يتركان أثرًا نفسيًا جماعيًا يتمثل في فقدان الثقة، وتبلّد الإحساس، وضعف التعاطف. كثيرون يلجؤون إلى اللامبالاة كآلية دفاعية، فيتجاهلون معاناة الآخرين أو يتعاملون معها ببرود، وكأنها أمر طبيعي.
قد مرت دول أخرى بمشاكل مشابهة لما نمر به، ومن الممكن الاستفادة من تجاربها، مع أني أجد أن الظلم الذي جرى في سوريا أشد وطأة وأعظم ، لكن الأمل يبقى بأن الشعب السوري مختلف، وسوف يتعافى بشكل أسرع إذا توفرت الإرادة والرؤية.
هل هناك ما نستطيع أن نقوم به للحد من ذلك؟
نعم، هناك خطوات عملية يمكن أن تشكل بداية لتغيير هذا الواقع، إذا نُفذت برؤية واضحة وبإشراف مختصين، مع التأكيد على أن هذه الجهود تحتاج إلى التعزيز المستمر، وخطة واستراتيجية يضعها أصحاب الاختصاص، لا أن تكون مجرد مبادرات عشوائية:
-
التشجيع على العمل التطوعي الخدمي والاجتماعي، بدعم من البلديات ومؤسسات الدولة، بحيث يبدأ كل فريق بخدمة منطقته وحيّه، ثم ينتقل إلى أحياء ومناطق أخرى. هذا يعزز الانتماء للوطن ككل، ويولد شعورًا بأن الفرد قد ساهم بجهده وعرقه في جميع مناطقه، مما يقلل من النزعة المناطقية ويزيد الحرص على الممتلكات العامة.
-
أتمتة المعاملات الحكومية وجعلها رقمية بالكامل، لما لذلك من أثر في تقليل الفساد والمحسوبية، وتسريع الخدمات، ورفع ثقة المواطن بالمؤسسات.
-
برامج مجتمعية مدرسية لترسيخ القيم الأخلاقية والوطنية الصحيحة، بهدف إعداد جيل جديد قادر على بناء الوطن وفق معايير النزاهة والمسؤولية.
-
عقوبات ومخالفات رادعة تطبق على كل من يخالف القانون، مهما كان موقعه، مع مراعاة الحالات الإنسانية، لضمان المساواة أمام القانون.
-
زيادة الفعاليات والنشاطات الاجتماعية الجامعة التي تجمع مختلف الفئات والطبقات، لتعزيز الروابط الاجتماعية وكسر العزلة بين المكونات جميعاً وتحسين الحالة النفسية لي افراد المجتمع.
-
تشكيل لجنة للإصلاح القيمي والفكري والمجتمعي، وهي تختلف عن لجنة السلم الأهلي المنشئة ، إذ لا تقتصر على حل النزاعات أو التهدئة، بل تضع استراتيجية وطنية شاملة لإعادة بناء القيم والسلوكيات، وتعمل على المدى الطويل بالتنسيق مع المؤسسات التعليمية والإعلامية والمجتمعية.
ومع ذلك، يوجد هناك أمل وبارقة نور، إذ نشاهد جميعًا بعض الحملات التطوعية الإيجابية هنا وهناك، تحتاج إلى الدعم والتطوير.
التغيير لا تصنعه الحكومات وحدها، بل يبدأ من كل فرد. يمكنك أن تكون جزءًا من هذا التحول، ولو بخطوة صغيرة: مساعدة جار، احترام القانون، المشاركة في حملة نظافة، أو تعليم طفل قيمة إيجابية.
كل جهد، مهما بدا بسيطًا، هو لبنة في بناء سوريا التي نحلم بها.
