نهر بردى… ذاكرة دمشق الحيّة بين التاريخ والبيئة والثقافة

يُعدّ نهر بردى أحد أبرز المعالم الطبيعية والتاريخية في سورية، وشرياناً حيوياً ارتبط باسم دمشق منذ آلاف السنين. فهذا النهر، الذي تغنّى به الشعراء وخلّدته الكتب والأساطير، لم يكن مجرّد مجرى مائي، بل كان قلباً نابضاً للحياة، ومصدراً للإستقرار والعمران، وعنصراً أساسياً في تشكيل الهوية الثقافية والإجتماعية للمنطقة.
واليوم، وبعد سنوات من الإهمال والأضرار التي خلّفتها الحرب، تعود الجهود الرسمية والمحلية لمحاولة إنقاذ هذا الشريان الحيوي، في مسعى لإعادة الإعتبار لنهر كان يوماً رمزاً للجمال والخصب.
جهود لإعادة التأهيل بعد سنوات من الإهمال
تواصل بلدية عين الفيجة، بالتعاون مع محافظة ريف دمشق، تنفيذ أعمال تنظيف مجرى نهر بردى، التي انطلقت منذ شهر تشرين الأول الماضي، في محاولة لإعادة تأهيل المجرى بعد سنوات من الإهمال وتراكم الأضرار.
وجاءت هذه الأعمال نتيجة تراكم كميات كبيرة من النفايات والأنقاض، ونمو النباتات داخل مجرى النهر، عقب توقف جريان المياه لفترات طويلة، إضافة إلى ظهور مياه ملوثة في قاع النهر ناجمة عن أعطال في شبكة الصرف الصحي. كما أسهمت مخلفات الأبنية المتضررة بفعل القصف الذي طال قرى وادي بردى خلال سنوات الحرب في تفاقم الوضع البيئي للنهر.

مخاطر فيضانات وتحديات ميدانية
إن تنظيف مجرى النهر يسهم بشكل مباشر في تسهيل انسياب المياه خلال الهطولات المطرية والثلجية، ويحدّ من مخاطر الفيضانات، ولعلنا نتذكر فيضان نبع الفيجة الذي شهدته المنطقة في شباط عام 2002، وما خلّفه من أضرار كبيرة.
إن أعمال التنظيف شملت حتى الآن نحو 700 متر من أصل أربعة كيلومترات يمر بها النهر ضمن البلدة، أي ما يعادل 25 بالمئة من طول المجرى الكلي.
ولاشك أن هناك جملة من التحديات تواجه العمل لتنظيف نهر بردى من أبرزها تراكم الردم والأنقاض التي قد تعيق تدفق المياه القادمة من نبعي بردى والفيجة، إضافة إلى عدم توفر آليات ثقيلة قادرة على إزالة الكتل الكبيرة من النفايات، وبالمناسبة أن إصلاح الخط الرئيسي للصرف الصحي بالتوازي مع أعمال تنظيف المجرى يُعد أمراً ضرورياً لتجنب التلوث البيئي، والحد من إنتشار الروائح الكريهة والحشرات
نهر بردى… تاريخ وهوية وبيئة

لا تقتصر أهمية نهر بردى على كونه مجرى مائياً، بل يتجاوز ذلك إلى بعد تاريخي وثقافي عميق. فمنذ العصور القديمة، شكّل النهر أساس قيام دمشق واستمرارها، وساهم في ازدهار الزراعة عبر شبكة من الأقنية والسواقي التي غذّت بساتين الغوطة، وجعلت من المدينة واحة خضراء وسط بيئة شبه جافة.

ثقافياً، كان بردى مصدر إلهام لكبار الشعراء والأدباء، الذين تغنّوا بجريانه وصفائه، وربطوا بينه وبين جمال دمشق وبهائها. أما إجتماعياً، فقد شكّل النهر فضاءً للتلاقي، ومتنفساً لأهالي المدينة، ورافداً للحرف التقليدية المرتبطة بالماء والزراعة.

بيئياً، يلعب النهر دوراً أساسياً في التوازن الطبيعي للمنطقة، إذ يسهم في تغذية المياه الجوفية، ودعم التنوع الحيوي، وتحسين المناخ المحلي. إلا أن التلوث وتراجع الغزارة المائية خلال العقود الأخيرة جعلا من حمايته ضرورة ملحّة لا تحتمل التأجيل.

بين الذاكرة والمستقبل

يبقى نهر بردى أكثر من مجرد مجرى ماء؛ إنه ذاكرة مدينة، وشاهد على تاريخها، ومرآة لعلاقتها بالطبيعة. وإعادة تأهيله اليوم لا تعني فقط تنظيف مجراه، بل تمثل خطوة نحو استعادة جزء من روح دمشق، وحماية مورد بيئي وثقافي لا يقدّر بثمن، للأجيال القادمة.

شارك بنشر الوعي

كاتب المقال

المقالات ذات الصلة

Happy girl in light pink blouse showing unofficial Syrian flag and looking away with smile on protest

مقالات رأي

23 مارس 2026

أهمية التنوع الثقافي كمصدر قوة لسوريا

لا يكمن التحدي في وجود التنوع بحد ذاته، بل في كيفية إدارته. وعندما يُحسن إستثماره، يصبح هذا التنوع أحد أهم

جهينة مقداد

Charming hillside view of traditional houses in Şanlıurfa, Türkiye, capturing historical architecture.

مقالات رأي

18 مارس 2026

الجيل الجديد: قوة النهضة المستقبلية في سوريا

السوريون يمتلكون إرادة قوية، والشباب اليوم هو مفتاح تحويل الدمار إلى بناء، والفوضى إلى تنظيم، والتحديات إلى فرص. إذا تم

جهينة مقداد

A breathtaking view of the Umayyad Mosque's courtyard in Damascus, showcasing its iconic architecture and cultural significance.

مقالات رأي

12 مارس 2026

‏ النهضة السورية بيد أبنائها

‏تشهد الشعوب لحظات مفصلية تُعيد فيها اكتشاف ذاتها، وتستجمع قواها، وتنهض من جديد رغم كل ما مرّ بها من محن.

المكتب الاعلامي

Close-up view of Middle East map highlighting countries and borders.

مقالات رأي

12 مارس 2026

موقع سوريا الإستراتيجي في التحولات الإقليمية

الشرق الأوسط على مفترق طرق جديد. التغيرات السياسية والعسكرية والإقتصادية تجعل من سوريا لاعباً محورياً، ليس فقط داخل حدودها، بل

جهينة مقداد

A young girl in Idlib, Syria, holds a flag during a protest rally, highlighting social issues.

مقالات رأي

6 مارس 2026

نشيد الأمة

المكتب الاعلامي

A breathtaking view of the Umayyad Mosque's courtyard in Damascus, showcasing its iconic architecture and cultural significance.

مقالات رأي

1 مارس 2026

مهمة اللاجئين السوريين في هذه المرحلة

مهمة اللاجئين السوريين اليوم، ليست فقط الصمود بل التحضير الزكي للمستقبل

جهينة مقداد

Scroll to Top