في خضمّ الأحداث المتسارعة، يطفو على السطح مشهد معقّد تتداخل فيه الأبعاد الإنسانية والسياسية والعسكرية، ليؤكد أن المعركة الدائرة ليست مجرد مواجهة عابرة، بل اختبار طويل الأمد لإرادة الأطراف الفاعلة وقدرتها على إدارة التوازنات الدقيقة.
المدنيون بين رهائن المعركة وممرات الأمل
أول ما يفرض نفسه هو الخطر الواقع على المدنيين، الذين باتوا وقودًا للمعركة ورهائن لتمديدها. هذا الواقع يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية ملحّة: فتح ممرات إنسانية آمنة، ولو مؤقتة، لتخفيف وطأة الأزمة وحماية الأبرياء من أن يكونوا أوراق ضغط في لعبة سياسية أكبر منهم.
التمديد كخيار لا مفر منه
رغم التقديرات المتفائلة التي تحدّثت عن حسم سريع، فإن المؤشرات على الأرض تكشف أن المعركة لن تُطوى في أيام معدودة. التمديد بات أمرًا شبه محسوم، ليس فقط لأسباب عسكرية، بل أيضًا لإفساح المجال أمام ترتيبات سياسية ودبلوماسية تتطلب وقتًا أطول.
الحراك السياسي والدولي
المشهد لا يقتصر على الميدان فهناك حراك سياسي متصاعد، واجتماعات مرتقبة مع قادة قسد بعد انتهاء المهلة، ما يعكس دخول الملف في جولة جديدة من المفاوضات. هذه الجولة قد تحدد ملامح المرحلة المقبلة، وتكشف إلى أي مدى يمكن للفاعلين الدوليين والإقليميين فرض إيقاعهم على مسار الأحداث
العلاقة العربية الكردية: بين العقل والاستفزاز
أحد أخطر ملامح المشهد هو احتمال انزلاقه إلى مواجهة قومية بين العرب والأكراد. التحذيرات واضحة: إذا جُرّت الحرب إلى هذا البعد، فإن الخسارة ستكون فادحة، وسيُفتح شرخ طويل الأمد قد يمتد لمئتي عام. لذلك، الدعوة موجّهة إلى العقلانية وضبط الخطاب، لتفادي تحويل الصراع إلى مواجهة هوياتية مدمّرة.
المعارك السابقة والبعد الدولي
التذكير بخوض ست جولات سابقة ضد “قسد” يعكس إصرارًا على الحسم العسكري، مع التأكيد أن الجولة السابعة لن تكون مختلفة. لكن في الوقت نفسه، هناك إدراك بأن أطرافًا خارجية، خصوصًا في أوروبا، تحاول تصوير المعركة على أنها وجودية، بينما الهدف المعلن يبقى إخراج المقاتلين الأجانب من سوريا.
خاتمة
المشهد الراهن يضع الجميع أمام معادلة معقدة: حماية المدنيين، إدارة التمديد، والانخراط في مفاوضات دولية، دون الانجرار إلى خطاب قومي يهدد النسيج الاجتماعي لعقود طويلة. إنها معركة تتجاوز حدود الميدان، لتصبح اختبارًا سياسيًا وأخلاقيًا بامتياز، حيث يُقاس النصر لا بعدد المواقع المحررة، بل بقدرة الأطراف على تجنّب شرخ تاريخي بين مكوّنات المنطقة.
تحرير وتدقيق: أ. غفران خواتمي




