
يعد الدكتور عثمان صالح إحدى الشخصيات السورية التي استطاعت أن تجمع بين العمق الأكاديمي والالتزام الوطني، فهو دكتور متخصص في التحقيقات والسلوك الجنائي، وهو
مجال علمي دقيق يربط بين دراسة السلوك الإجرامي وآليات كشف الحقائق عبر المناهج العلمية. من خلال هذا التخصص النادر، تميز الدكتور عثمان صالح بقدرة بحثية و تحليلية مكنته من أن يكون أحد أبرز الأكاديميين في جامعة اللاذقية حيث عمل في سلك التدريس لسنوات.
مع اندلاع الثورة السورية، وجد الدكتور عثمان صالح نفسه أمام خيار مصيري: إما الاستمرار في العمل الأكاديمي تحت سقف السلطة، أو الانحياز إلى ضمير الشعب وإرادته الحرة. فاختار الانشقاق عن التدريس في جامعة اللاذقية، في خطوة لم تكن مجرد قرار وظيفي، بل إعلان موقف أخلاقي ووطني عبر عن انتمائه العميق لقضية الحرية والكرامة.
إلا أنّ هذا القرار لم يمر دون ثمن. فقد تعرض الدكتور عثمان للاعتقال من قبل السلطات السورية، وقضى ستة أشهر في السجن عانى خلالها من محاولات الضغط والتضييق، في محاولة لكسر إرادته وإجباره على التراجع عن مواقفه. لكن خروجه من السجن لم يكن نهاية القصة، بل بداية مرحلة جديدة من الصلابة والإصرار على متابعة مسيرته.
لم تتوقف تضحيات الدكتور عثمان صالح عند حدود مسيرته المهنية أو شخصه، بل امتدت لتشمل أسرته الكريمة التي قدمت شهداء في سبيل الثورة السورية. هذه الخسارة لم تضعف من عزيمته، بل حولت قضيته إلى التزام شخصي لا يمكن التراجع عنه، وجعلت من حياته مثالاً التداخل الخاص والعام في مسيرة النضال الوطني.
إلى جانب مسيرته الأكاديمية ونضاله الشخصي، ارتبط اسم الدكتور عثمان صالح بتأسيس حزب الأمة السوري، الذي جاء كمحاولة لتأطير الرؤية الوطنية في إطار سياسي منظم. لم يكن الحزب مجرد تنظيم سياسي تقليدي، بل مشروعاً فكرياً يسعى إلى إعادة تعريف السياسة على أساس خدمة المجتمع، وبناء دولة وطنية حديثة تقوم على:
سيادة القانون،
التعددية السياسية والفكرية،
الحرية والعدالة الاجتماعية،
تمكين الشباب وإشراكهم في صناعة القرار.
كان هدف الحزب هو تجاوز الانقسامات الضيقة، وطرح رؤية وطنية شاملة تضع مصلحة سوريا فوق كل اعتبار، وتعمل على إعادة بناء الدولة على أسس حديثة تواكب التغيرات الإقليمية والدولية.
إن سيرة الدكتور عثمان صالح لا تختزل في كونه أكاديمياً أو سياسياً فحسب، بل تتجاوز ذلك لتجسيد بعداً إنسانياً وفكرياً. فقد استطاع أن ينقل خبراته العلمية في مجال السلوك الجنائي والتحقيقات إلى ساحة العمل السياسي والاجتماعي، من خلال تحليلات العميقة للواقع السوري، ورؤيته المبنية على فهم سلوك الأفراد والجماعات، ودور الوعي في تشكيل المصير الوطني.
يمثل الدكتور عثمان صالح نموذجاً نادراً لشخصية سورية جمعت بين المعرفة الأكاديمية والتضحية الشخصية والعمل السياسي. فهو الأكاديمي الذي ترك قاعات المحاضرات ليلتحق بجماهير شعبه، والمناضل الذي دفع من حريته وحياة أسرته ثمن مواقفه، والسياسي الذي آمن بأن مستقبل سوريا لا يمكن أن يبني إلا على أسس الحرية، الكرامة، وسيادة الشعب.
وبهذا المعنى، فإن سيرة الدكتور عثمان صالح ليست مجرد قصة شخصية، بل هي انعكاس لمسيرة جيل كامل من السوريين الذين دفعوا اثمان باهظة في سبيل حلمهم بوطن حرّ وعادل، يتسع لجميع أبنائه دون إقصاء أو تمييز.
