في المشهد السوري الراهن، تتكثّف الأحداث وتتشابك الخيوط بين الداخل والخارج، لتُنتج لنا لوحة سياسية معقدة لا تحتمل القراءة السطحية.
سيطل علينا الدكتور عثمان الصالح ليقرأ مابين السطور ويحلل ماجاء في الاتفاق الذي عُقد بين الدولة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)
1- اتفاقٌ بوقف العمليات العسكرية ويتيح لقوات الأمن الداخلي ــ لا الجيش ــ الانتشار في الحسكة والقامشلي وعين العرب، فيما تبقى قسد في قراها بانتظار اندماجٍ مؤجل في مؤسسات الدولة.
هذا الاتفاق، وإن بدا في ظاهره خطوة نحو التهدئة، فإنه في جوهره أقرب إلى إعلان استسلام رسمي لقسد أي ليس هناك للامركزية أو الفيدرالية أو خصوصية “روج آفا”، وهي المطالب التي طالما رفعتها قسد. الاتفاق لم يمنح القسديين أي موقع سياسي أو إداري داخل مؤسسات الدولة، بل اقتصر على ترتيبات أمنية وعسكرية، ما يجعل الاتفاق بلا أفق سياسي واضح.
على المستوى الدولي، يظهر أن القرار الأمريكي هو المرجع الحاسم. زيارة أحمد الشرع إلى موسكو ولقاؤه المرتقب مع بوتين لا يمكن أن تنتج عرضاً روسياً يتعارض مع الحسابات الأمريكية، خاصة بعد الاتصال المباشر من الرئيس الأمريكي يؤكد فيه أن القرار الحاسم لا يُصاغ في موسكو ولا يُحسم في دمشق، بل يُملى من العاصمة الأمريكية.هكذا يصبح العرض الروسي مجرد توازن مطلوب، فيما الاتفاق مع مظلوم عبدي يُقرأ كترجمة لإرادة أمريكية نافذة.
لكن الشكوك تحيط بقدرة مظلوم عبدي على فرض هذا الاتفاق على الأرض. فالجماعات المرتبطة ب pkk في الحسكة والقامشلي لا يُؤتمرون به بالضرورة، والاشتباكات والقصف لم يتوقفا رغم إعلان وقف إطلاق النار. هنا يظهر التناقض الصارخ بين السياسيين الذين يوقّعون على الورق والعسكريين الذين يواصلون القتال، وكأننا أمام مسرح بوجهين: خطاب يعد بالهدوء وواقع يصرّ على العاصفة.
أما في الجنوب، فقد كشفت الصحافة العبرية عن دعم أمريكي لدمشق للسيطرة على جبل الدروز، بشرط ألا يُمسّ أمن إسرائيل وألا تتكرر المجازر التي شهدها تموز الماضي. لم يُحسم القرار بعد، لكن أمر السويداء يبدو محتوماً، وإن كان عبر الحوار والتفاهم. هذه المؤشرات تؤكد أن الجنوب ليس بمنأى عن الحسابات الدولية، وأنه جزء من المشهد العام الذي يعاد رسمه.
وفي الداخل، أصدرت وزارة الداخلية السورية تعميماً بالغ الأهمية، يضع حدوداً واضحة بين الأمن المدني والعسكري. فقد منعت دخول الدوريات المسلحة إلى المستشفيات والجامعات والمدارس وأماكن العبادة والفنادق والدوائر الرسمية، وحظرت الاعتقال داخل هذه المرافق إلا في حالة الجرم المشهود أو الضرورة القصوى. هذه الخطوة تحمل دلالة رمزية عميقة: إعادة الاعتبار للمؤسسات المدنية وسط ضجيج السلاح، وإعلان أن للدولة وجهاً آخر غير وجه الحرب. إنها محاولة لترسيخ قواعد سيادة القانون، وإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسساته، في وقتٍ تتنازع فيه الولاءات وتتصارع القوى.
إن المشهد العام يضع سوريا أمام لحظة مفصلية: اتفاقٌ يُقرأ كاستسلام، عرضٌ روسي ينتظر التوازن مع الإرادة الأمريكية، ترتيباتٌ جنوبية برعاية غير معلنة، وإصلاحات داخلية تحمل طابعاً مدنياً. إنها لحظة دقيقة، حيث تتقاطع الإرادات الدولية مع الحسابات المحلية، ويظل السؤال الكبير: هل نحن أمام بداية مسار جديد يفتح باب الدولة على أفق وطني جامع، أم أمام فصل آخر في رواية طويلة من التعقيد والتأجيل؟
إن الاتفاق المعلن بين الدولة وقسد يكشف عن استسلام مقنّع لقسد أكثر منه تسوية سياسية، فيما تبقى الحسابات الكبرى مرهونة بالإرادة الأمريكية والتوازن الروسي. ومع ترتيبات الجنوب ودلالات التعميم الداخلي لوزارة الداخلية، تدخل سوريا مرحلة دقيقة، حيث تتقاطع الإرادات الدولية مع الواقع المحلي، ويبقى الحسم رهين الأيام القليلة القادمة.
تحرير وتدقيق: أ. غفران خواتمي
