في خطوة تحمل أبعاداً تربوية واجتماعية عميقة، أعلنت وزارة التربية والتعليم السورية إعادة أكثر من 14645 معلماً ممن فُصلوا تعسفياً خلال سنوات الأزمة إلى عملهم ، في قرار يُعدّ تحولاً لافتاً في مسار معالجة ملف الكوادر التعليمية. ويأتي هذا الإجراء في وقت يحتاج فيه القطاع التربوي إلى كل خبرة وكفاءة، بعد سنوات من التحديات التي أثّرت على استقرار المدارس وجودة العملية التعليمية.
وتتجاوز أهمية القرار البعد الإداري، إذ يمثل رسالة واضحة بدعم المعلم واستعادة دوره المحوري في بناء الأجيال، كما يعكس توجهاً نحو ترميم ما تضرر داخل المنظومة التعليمية، وإعادة ضخ الخبرات التراكمية في صفوفها. وبين الأثر المهني والبعد الإنساني، تفتح عودة المدرسين المفصولين صفحة جديدة عنوانها إعادة الدمج وتعزيز الاستقرار في واحدة من أكثر المؤسسات تأثيراً في المجتمع.
أولاً: معالجة فجوة الكوادر التعليمية
عانى قطاع التعليم في سوريا خلال السنوات الماضية من نقص حاد في أعداد المعلمين نتيجة النزوح والهجرة والتقاعد والفصل. وأدى ذلك إلى ارتفاع كثافة الصفوف، واعتماد مدارس عديدة على وكلاء أو مدرسين غير مثبتين، ما انعكس على جودة التعليم واستقرار العملية التربوية.
إعادة أكثر من 14 ألف معلم دفعة واحدة تعني عملياً سد جزء مهم من هذا العجز، وتخفيف الضغط عن المدارس، خصوصاً في المحافظات ذات الكثافة السكانية العالية. كما تتيح للوزارة إعادة توزيع الكوادر بشكل أكثر توازناً، بما يحسّن البيئة الصفية ويرفع مستوى المتابعة الأكاديمية.
ثانياً: استعادة الخبرات التراكمية
لا يتعلق الأمر بالأرقام فقط، بل بنوعية الكوادر العائدة. فالكثير من هؤلاء المعلمين يمتلكون سنوات طويلة من الخبرة في التدريس والإدارة الصفية. وإعادتهم تعني استرجاع خبرات مهنية كانت خارج المنظومة التعليمية، وهو ما يعزز جودة التعليم ويختصر سنوات من التدريب والتأهيل.
كما أن وجود كوادر ذات تجربة سابقة يسهم في نقل الخبرة إلى المعلمين الجدد، ويعزز ثقافة العمل الجماعي داخل المدارس.
ثالثاً: رسالة مصالحة داخلية وتعزيز الثقة
يحمل القرار بعداً اجتماعياً مهماً، إذ يُنظر إليه كخطوة نحو طيّ صفحة من الإجراءات التي أثّرت على شريحة واسعة من العاملين في القطاع العام. فإعادة المعلمين إلى وظائفهم تمثل رسالة إيجابية تعزز الثقة بين الكوادر التربوية والمؤسسة الرسمية، وتؤكد أن المرحلة المقبلة تتجه نحو إعادة الدمج لا الإقصاء.
هذا المناخ الإيجابي ينعكس بدوره على الطلاب، لأن استقرار المعلم نفسياً ومهنياً يعدّ عنصراً أساسياً في نجاح العملية التعليمية.
رابعاً: انعكاسات مباشرة على جودة التعليم
من الناحية التربوية، من المتوقع أن يسهم القرار في:
تقليل عدد الحصص الشاغرة أو التي تُغطّى بشكل مؤقت.
تحسين نسب المعلم إلى الطالب داخل الصفوف.
تعزيز الاستقرار الإداري في المدارس.
رفع مستوى التحصيل العلمي نتيجة انتظام العملية التعليمية.
كما أن عودة الكوادر المؤهلة قد تساعد في تطوير الأنشطة اللامنهجية، والإرشاد النفسي، والدعم التعليمي للطلاب المتأثرين بسنوات الانقطاع أو الاضطراب.
خامساً: تمهيد لإصلاح أوسع في القطاع التعليمي
قد يشكل هذا القرار مقدمة لإصلاحات أوسع في قطاع التعليم، تشمل تحديث المناهج، وتطوير أساليب التدريب، والاستثمار في البنية التحتية المدرسية. فإعادة بناء الإنسان تبدأ من المدرسة، وأي خطة للنهوض الاقتصادي والاجتماعي تمرّ عبر نظام تعليمي مستقر وفعّال.
كما أن تعزيز الكادر البشري يمهّد الطريق أمام خطط التحول الرقمي والتوسع في التعليم التقني والمهني، وهي مسارات تحتاج إلى معلمين ذوي خبرة واستقرار وظيفي.
تحديات المرحلة المقبلة
رغم الأهمية الكبيرة للقرار، تبقى هناك تحديات عملية تتعلق بإعادة توزيع المعلمين، وتأهيل من انقطع منهم عن العمل لفترة طويلة، وضمان اندماجهم السلس في بيئة تعليمية تغيرت خلال السنوات الماضية.
ومن المهم أن يترافق القرار مع برامج تدريبية داعمة، وإجراءات إدارية واضحة تضمن استدامة هذه الخطوة وتحقيق أهدافها على المدى الطويل.
تمثل إعادة أكثر من 14645 معلماً إلى وظائفهم خطوة مفصلية في مسار إعادة ترميم قطاع التعليم في سوريا. فهي لا تعالج نقص الكوادر فحسب، بل تحمل أبعاداً مهنية واجتماعية ووطنية تعزز الاستقرار داخل المؤسسة التربوية.
وفي بلد يسعى إلى التعافي وإعادة البناء، يبقى التعليم الركيزة الأساسية لأي نهضة مستقبلية. ومن هنا، فإن دعم المعلم واستعادة مكانته ودوره يشكلان استثماراً مباشراً في مستقبل الأجيال القادمة، وفي قدرة المجتمع السوري على تجاوز آثار سنوات طويلة من التحديات.




